من كل الارتفاق والأعراض عن رديئة ، والرفاهية البالغة اختيار الجيد وترك الردئ من جنس واحد ، ووجد من المعاملات ما لا يقصد فيه إلا اختيار الجيد والإعراض عن الردئ من جنس واحد اللهم إلا في مواد قليلة لا يعبأ بها في قوانين الشرائع فحرمها لأنها كالشبح لمعنى الرفاهية وكالتمثال لها وتحريمها كالمقتضى الطبيعي لكراهته الرفاهية وإذا كانت مظان الشيء محرمة لأجله وجب أن يحرم شبحه وتمثاله بالأولى ، وتحريم بيع النقد والطعام بجنسهما متفاضلا مخرج على هذه القاعدة ، ولم يحرم اشتراء الجيد بالثمن الغالي لأن الثمن ينصرف إلى ذات المبيع دون وصفه عند اختلاف الجنس ولم يحرم اشتراء جارية بجاريتين ، ولا ثوب بثوبين لأنها من ذوات القيم فتنصرف زيادة الثمن إلى خواص الشخص ، وتكون الجودة مغمورة في تلك الخواص ، فلا يتحقق اعتبار الجودة بادي الرأي . ومما مهدنا ينكشف كثير من النكت المتعلقة بهذا الباب كسبب كراهية بيع الحيوان بالحيوان وغير ذلك ، فليتدبر ، وقد يكون شيآن مشتبهين لا يتميزان لأمر خفي لا يدركه إلا النبي صلى الله عليه وسلم والراسخون في العلم من أمته ، فتمس الحاجة إلى معرفة علامة ظاهرة لكل منهما وإدارة حكم البر والإثم على علاماتهما ، وأحكام التفريق بينهما ( مثاله ) النكاح والسفاح فحقيقة النكاح إقامة المصلحة التي يبنى عليها نظام العالم بالتعاون بين الزوج وزوجته وطلب النسل وتحصين الفرج ونحو ذلك ، وذلك مرضى عنه مطلوب ، وحقيقة السفاح جريان النفس في غلوائها وإمعانها في اتباع شهوتها وخرق جلباب الحياء والتقيد عنها وترك التعريج إلى المصلحة الكلية والنظام الكلي ، وذلك مسخوط عليه ممنوع عنه ، وهما متشابهان في أكثر الصور ، فإنهما يشتركان في قضاء الشهوة وإزالة ألم الغلمة والميل إلى النساء ونحو ذلك ، فمست الحاجة إلى تميز كل واحد عن صاحبه بعلامة ظاهرة ، وإدارة الطلب والمنع عليها ، فحض النبي صلى الله عليه وسلم النكاح بأمور ( منها ) أن يكون بالنساء دون الرجال ، فإن طلب النسل لا يكون