إحداهما الفساق ، والزنادقة ، فالفساق يعملون الأعمال البهيمية أو السبعية بخلاف الملة لغلبة نفوسهم وقلة تدينهم ، فأولئك إنما يخرجون عن حكم الملة شاهدين على أنفسهم بالفسق ، والزنادقة يجبلون على الفهم الأبتر لا يستطيعون التحقيق التام الذي قصده صاحب الملة ، ولا يقلدونه ، ولا يسلمونه بما أخبر ، فهم على ريبهم يترددون على خوف من ملتهم ، والناس ينكرون عليهم ، ويونهم خارجين عن الدين خالعين ربقة الملة عن أعناقهم ، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا من الإنكار وقبح الحال فخروجهم لا يضر . والثانية الجاهلون الغافلون الذين لم يرفعوا رءوسهم إلى الدين رأسا ، ولم يلتفتوا لفتة أصلا ، وكان هؤلاء أكثر شيء في قريش وما والاها لبعد عهدهم عن الأنبياء ، وهو قوله تبارك وتعالى: ! ( لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ) ! . غير انهم لم يبعدوا عن المحجة كل البعد بحيث لا تثبت عليهم الحجة ، ولا يتوجه عليهم الإلزام ، ولا يتحقق فيهم الإقحام . فمن تلك الأصول القول بأن لا شريك لله في خلق السموات والأرض وما فيها من الجواهر ، ولا شريك له في تدبير الأمور العظام ، وأنه لا راد لحكمه ولا ما نع لقضائه إذا أبرم وجزم وهو قوله تعالى: ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقون الله ) . وقوله: ! ( بل إياه تدعون ) ! .