والأمور التي يمتاز بها الإنسان من سائر أفراد الحيوان كثيرة جدا لكن جماع الأمر وملاكه خصلتان: أحدهما زيادة القوة العقلية ولها شعبتان شعبة غائصة في الارتفاقات لمصلحة نظام البشر واستنباط دقائقها ، وشعبة مستعدة للعلوم الغيبية الفائضة بطريق الوهب . وثانيهما براعة القوة العملية ، ولها أيضا شعبتان: شعبة هي ابتلاعها للأعمال من طريق بلعوم اختيارها وإرادتها ، فالبهائم تفعل أفعالا بالاختيار ، ولا تدخل أفعالا في جدر أنفسها ، ولا تتلون أنفسها بأرواح تلك الأفعال ، وإنما تلتصق بالقوى القائمة بالروح الهوائي فقط ، فيسهل عليها صدور أمثالها . والإنسان يفعل أفعالا ، فتفنى الأفعال ، وتنزع منها أرواحها ، فتبلعها النفس ، فيظهر في النفس إما نور وإما ظلم ، وقول الشرع شرط المؤاخذة على الأفعال أن يفعلها بالاختيار بمنزلة قول الطبيب شرط الضرر بالسم والانتفاع بالترياق أن يدخلا في البلعوم ، وينزلا في الجوف ، وأمارة ما قلنا أن النفس الإنسانية تبلع من أرواح الأعمال ما اتفق عليه أمم بني آدم من عمل الرياضات والعبادات ومعرفة أنوار كل ذلك وجدانا ، ومن الكف عن المعاصي والمنهيات ورؤية قسوة كل ذلك وجدانا . وشعبة: هي أحوال ومقامات سنية ، كمحبة الله والتوكل عليه مما ليس في البهائم جنسها . واعلم أنه لما كان اعتدال مزاح الإنسان بحسب ما تعطيه الصورة النوعية لا يتم إلا بعلوم لا يتخلص إليها أزكاهم ، ثم يقلده الآخرون وبشريعة تشتمل على معارف إلهية وتدبيرات ارتفاقية وقواعد تبحث عن الأفعال