فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 863

أخرج هذه الآثار الدارمي . وكان صلى الله عليه وسلم يستفتيه الناس في الوقائع ، فيفتيهم ، وترفع إليه القضايا ، فيقضي فيها ، ويرى الناس يفعلون معروفا ، فيمدحه أو منكرا ، فينكر عليه ، وكل ما أفتى به مستفتيا ، أو قضى به في قضية ، أو أنكره على فاعله ، كان في الاجتماعات ، وكذلك كان الشيخان أبو بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألون الناس عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال أبو بكر رضي الله عنه: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيها شيئا يعني - الجدة - وسأل الناس ، فلما صلى الظهر قال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الجدة شيئا ؟ فقال المغيرة بن شعبة: أنا ، قال: ماذا قال ؟ قال: أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا ، قال: أيعلم ذاك أحد غيرك ؟ فقال محمد بن سلمة: صدق ، فأعطاها أبو بكر السدس ، وقصة سؤال عمر الناس في الغرة ، ثم رجوعه إلى خبر مغيرة ، وسؤاله إياهم في الوباء ، ثم رجوعه إلى خبر عبد الرحمن بن عوف ، وكذا رجوعه في قصة المجوس إلى خبره ، وسرور عبد الله بن مسعود بخبر معقل بن يسار لما وافق رأيه ، وقصة رجوع أبي موسى عن باب عمر وسؤاله عن الحديث ، وشهادة أبي سعيد له ، وأمثال ذلك كثيرة معلومة مروية في الصحيحين والسنن: وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم ، فرأى كل صحابي ما يسره الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته ، فحفظها ، وعقلها ، وعرف لكل شيء وجها من قبل حفوف القرائن به ، فحمل بعضها على الإباحة ، وبعضها على النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده ، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم ، وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون ، فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك ، ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد مقتدى ناحية من النواحي ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت