فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 863

وهذه الطبقة هي الطراز الأول من طبقات المحدثين ، فرجع المحققون منهم بعد إحكام فن الرواية ومعرفة مراتب الأحاديث إلى الفقه ، فلم يكن عندهم من الرأي أن يجمع على تقليد رجل ممن مضى مع ما يرون من الأحاديث والآثار المناقضة في كل مذهب من تلك المذاهب ، فأخذوا يتتبعون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين والمجتهدين على قواعد أحكموها في نفوسهم - وأنا أبينها لك في كلمات يسيرة - . كان عندهم أنه إذا وجد في المسألة قرآن ناطق ، فلا يجوز التحول منه إلى غيره ، وإذا كان القرآن محتملا لوجوه فالسنة قاضية عليه ، فإذا لم يجدوا في كتاب الله أخذوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان مستفيضا دائرا بين الفقهاء ، أو يكون مختصا بأهل بلد أو أهل بيت أو بطريق خاصة ، وسواء عمل به الصحابة والفقهاء ، أو لم يعملوا به ، ومتى كان في المسألة حديث فلا يتبع فيه خلاف أثر من الآثار ، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين ، وإذا فرغوا جهدهم في تتبع الأحاديث ، ولم يجدوا في المسألة حديثا - أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين ، ولا يتقيدون بقوم دون قوم ، ولا بلد دون بلد ، كما كان يفعل من قبلهم ، فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المقنع ، وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علما وأورعهم ورعا أو أكثرهم ضبطا أو ما اشتهر عنهم ، فإن وجدوا شيئا يستوي فيه قولان فهي مسألة ذات قولين ، فإن عجزوا عن ذلك أيضا تأملوا في عمومات الكتاب والسنة وإيما آتهما واقتضا آتهما ، وحملوا نظير المسألة عليها في الجواب إذا كانتا متقاربتين بادى الرأي لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول ، ولكن على ما يخلص إلى الفهم ، ويثلج به الصدر ، كما أنه ليس ميزان التواتر عدد الرواة ، ولا حالهم ، ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس - كما نبهنا على ذلك في بيان حال الصحابة ، وكانت هذه الأصول مستخرجة عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم ، وعن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت