بالإمعان في جميع الروايات وتتبع الشاذة والفاذة منها كما أشار إليه أحمد بن حنبل مع ما لا ينفك من العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع الكلام ، وصاحب العلم بآثار السلف من طريق الجمع بين المختلفات وترتيب الاستدلالات ونحو ذلك ، وتارة بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من مشايخ الفقه مع معرفة جملة صالحة من السنن والآثار بحيث يعلم أن قوله لا يخالف الاجماع ، وهذه طريقة أصحاب التخريج وأوسطها من كلتا الطريقتين أن يحصل له من معرفة القرآن والسنن ما يتمكن به من معرفة رءوس مسائل الفقه المجمع عليها بأدلتها التفصيلية ، ويحصل له غاية العلم ببعض المسائل الاجتهادية من أدلتها وترجيح بعض الأقوال على بعض ونقد التخريجات ومعرفة الجيد والزيف ، وإن لم يتكامل له الأدوات كما يتكامل للمجتهد المطلق ، فيجوز لمثله أن يلفق من المذهبين إذا عرف دليلهما ، وعلم أن قوله ليس مما لا ينفذ فيه اجتهاد المجتهد ، ولا يقبل فيه قضاء القاضي ، ولا يجري فيه فتوى المفتين ، وأن يترك بعض التخريجات التي سبق الناس إليها إذا عرف عدم صحتها ، ولهذا لم يزل العلماء ممن لا يدعي الاجتهاد المطلق يصنفون ، ويرتبون ، ويخرجون ، ويرجحون ، وإذا كان الاجتهاد يتجزأ عند الجمهور والتخريج يتجزأ ، وإنما المقصود تحصيل الظن ، وعليه مدار التكليف فما الذي يستبعد من ذلك ، وأما دون ذلك من الناس فمذهبه فيما يرد عليه كثيرا ما أخذه عن أصحابه وآبائه وأهل بلده من المذاهب المتبعة ، وفي الوقائع النادرة فتاوى مفتيه ، وفي القضايا ما يحكم القاضي ، وعلى هذا وجدنا محققي العلماء من كل مذهب قديما وحديثا ، وهو الذي وصى به أئمة المذاهب أصاحبهم . - وفي اليواقيت والجواهر - أنه روى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه كان يقول: لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي ، وكان رضي الله عنه إذا أفتى يقول هذا رأي النعمان بن ثابت يعني نفسه وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب ، وكان الإمام مالك