وكان جمهور أهل الأقاليم الصالحة والأمزجة المعتدلة الذين هم المقصودون بالذات في الشرائع لا يزالون متيقظين مترددين في حوائجهم من وقت الأسفار إلى غسق الليل ، وكان أحق ما يؤدى فيه الصلاة وقت خلو النفس عن ألوان الأشغال المعاشية المنسية ذكر الله ، ليصادف قلبا فارغا ، فتمكن منه ويكون أشد تأثيرا فيه ، وهو قوله تعالى: ! ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) ! ووقت الشروع في النوم ليكون كفارة لما مضى وتصقيلا للصدأ ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ' من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل الأول ، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليله ' ووقت اشتغالهم كالضحى ليكون مهونا للانهماك في الدنيا وترياقا له ، غير أن هذا لا يجوز أن يخاطب به الناس جميعا لأنهم حينئذ بين أمرين: إما أن يتركوا هذا أو ذاك - وهذا أصل آخر . وأيضا لا أحق في باب تعيين الأوقات من أن يذهب إلى المأثور من سنن الأنبياء المقربين من قبل ، فإنه كالمنبه للنفس على أداء الطاعة تنبيها عظيما والمهيج لها على منافسة القوم ، والباعث على أن يكون للصالحين فيهم ذكر جميل ، وهو قول جبريل عليه السلام: ' هذا وقت الأنبياء من قبلك ' . لا يقال ورد في حديث معاذ في العشاء ' ولم يصلها أحد قبلكم ' لأن الحديث رواه جماعة ، فقال بعضهم: أن الناس صلوا ورقدوا ، وقال بعضهم ولا يصليها أحد إلا بالمدينة ونحو ذلك ، فالظاهر أنه من قبل الرواية بالمعنى وهذا أصل آخر . وبالجملة ففي تعيين الأوقات سر عميق من وجوه كثيرة ، فتمثل جبريل عليه السلام وصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم وعلمه الأوقات ، ولما ذكرنا طهر وجه مشروعية الجمع بين الصلاتين في الجملة ، وسبب وجود التهجد والضحى على النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء على ما ذكروا وكونها نافلة للناس وسبب تأكيد أداء الصلوات على أوقاتها ، والله أعلم .