يلونهم ثلاثا وإياكم وهيشات الأسواق ' أقول: ذلك ليتقرر عندهم توقير الكبير ، أو ليتنافسوا في عادة أهل السؤدد ، ولئلا يشق على أولى الأحلام تقديم من دونهم عليهم ، ونهى عن الهيشات تأدبا ، وليتمكنوا من تدبر القرآن ، وليتشبهوا بقوم ناجوا الملك . قوله صلى الله عليه وسلم ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ' أقول لكل ملك مقام معلوم ، وإنما وجدوا على مقتضى الترتيب العقلي في الاستعدادات ، فلا يمكن أن يكون هنالك فرجة ، قوله صلى الله عليه وسلم إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف ' . أقول: قد جربنا أن التراص في حلق الذكر سبب جمع الخاطر ووجدان الحلاوة في الذكر وسد الخطرات ، وتركه ينقص من هذه المعاني ، والشيطان يدخل كلما انتقص شيء من هذه المعاني ، فرأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم متمثلا بهذه الصورة ، وإنما رأى في هذه الصورة لأن دخول الحذف أقرب ما يرى في العادة من هجوم شيء في المضايق مع السواد المشعر بقبح السريرة . فتمثل الشيطان بتلك الصورة . قوله صلى الله عليه وسلم لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين وجوهكم ' وقوله صلى الله عليه وسلم أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه إلى رأس حمار ' أقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتسوية والاتباع ، ففرطوا ، وسجل عليهم ، فلم ينزجروا ، فغلظ التهديد ، وأخافهم إن أصروا على المخالفة أن يلعنهم الحق ؛ إذ منابذة التدليات الإلهية جالبة للعن ، واللعن إذا أحاط بأحد يورث المسخ ،