قال صلى الله عليه وسلم:
' من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء ' . أقول: وذلك أن الدعاء لا يستجاب إلا ممن قويت رغبته ، وتأكدت عزيمته ، وتمرن بذلك قبل أن يحيط به ما أحاط ، وأما رفع اليدين ومسح الوجه بهما فتصوير للرغبة ، ومظاهرة بين الهيئة النفسانية وما يناسبها من الهيئة البدنية وتنبيه للنفس على تلك الحال . قال صلى الله عليه وسلم: '
من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الرحمة ' . أقول: من علم كيف يدعو من برغبة ناشئة من صميم قلبه ، وعلم في أي الصورة تظهر الإجابة ، وتمرن بصفة الحضور فتح له باب الرحمة في الدنيا ، ونصر في كل داهية ، وإذا مات ، وأحاطت به خطيئته ، وغشيته غاشية من الهيآت الدنيوية توجه إلى الله توجها حثيثا كما كان تمرن به ، فيستجاب له ويخرج نقيا منها كما تسل الشعره من العجين . واعلم أن أقرب الدعوات من الاستجابة ما اقترن بحاله هي مظنة نزول الرحمة إما لكونها كما لا للنفس الإنسانية كدعاء عقيب الصلوات . ودعوة الصائم حين يفطر ، أو معدة لا لاستنزال جود الله كالدعاء يوم عرفة ، أو لكونها سببا لموافقة عناية الله في نظام العالم كدعوة المظلوم - فإن لله عناية بانتقام الظالم - وهذا موافقة منه لتلك العناية ، وفيه ' فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ' أو سببا لازورار راحة الدنيا عنه ، فتنقلب رحمة الله في حقه متوجهة في صورة أخرى كدعاء المريض والمبتلى ، أو سببا لإخلاص الدعاء مثل دعاء الغائب لأخيه أو دعاء الوالد للولد ، أو كانت في ساعة تنتشر فيها الروحانية وتدلى فيه الرحمة كليلة القدر والساعة المرجوة يوم الجمعة ، أو كانت في مكان تحضره الملائكة كمواضع بمكة أو تتنبه النفس عند الحلول بها لحالة الحضور والخضوع كمآثر الأنبياء عليهم السلام .