أحدهما أنه لم يرض به ، ولم يرد فيه مصلحة منزلية ، وإنما هو لحادثة لم يجد منها بدا ، فصار بمنزلة النائم . وثانيهما أنه لو اعتبر طلاقه طلاقا لكان ذلك فتحا لباب الاكراه ، فعسى أن يختطف الجبار الضعيف من حيث لا يعلم الناس ، ويخيفه بالسيف ، ويكرهه على الطلاق إذا رغب في امرأته ، فلو خيبنا رجاءه ، وقلبنا عليه مراده كان ذلك سببا لترك تظالم الناس فيما بينهم بالاكراه ، ونظيره ما ذكرنا في قوله صلى الله عليه وسلم:
' القاتل لا يرث ' . وقال صلى الله عليه وسلم: ' لا طلاق فيما لا لا يملك ' وقال عليه السلام: ' لا طلاق قبل النكاح ' . أقول: الظاهر أنه يعم الطلاق المنجر والمعلق بنكاح وغيره ، والسبب في ذلك أن الطلاق إنما يجوز في للمصلحة ، والمصلحة لا تتمثل عنده قبل أن يملكها ، ويرى منها سيرتها ، فكان طلاقها قبل ذلك بمنزلة نية المسافر الإقامة في المفازة أو الغازى في دار الحرب مما تكذبه دلائل الحال ، وكان أهل الجاهلية يطلقون ويراجعون إلى متى شاءوا وكان في ذلك من الأضرار ما لا يخفى ، فنزل قوله تعالى: ! ( الطلاق مرتان ) ! . الآية معناه: أن الطلاق المعقب للرجعة مرتان ، فإن طلقها الثالثة ، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ، وألحقت السنة ذوق العسيلة بالنكاح . والسر في جعل الطلاق ثلاثا لا يزيد عليها أنها أول حد كثرة ، ولأنه لا بد من ترو ، ومن الناس لا يتبين له المصلحة حتى يذوق فقدا ، وأصل التجربة واحدة ، ويكملها ثنتان . وأما اشتراط النكاح بعد الثالثة فلتحقيق معنى التحديد والإنهاء ، وذلك أنه لو جاز رجوعها إليه من غير تخلل نكاح الآخر كان ذلك بمنزلة الرجعة ،