والناظر في هذه الأحاديث بين إحدى ثلاثة: إما أن يقر بظاهرها فيضطر إلى إثبات عالم ذكرنا شأنه وهذه هي التي تقتضيها قاعدة أهل الحديث نبه على ذلك السيوطي رحمه الله تعالى ، وبها أقول ، وإليها أذهب ، أو يقول: أن هذه الوقائع تتراءى لحس الرائي ، وتتمثل له في بصره ، وإن لم تكن خارج حسه ، وقال بنظير ذلك عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ! ( يوم تأتي السماء بدخان مبين ) ! . أنهم أصابهم جدب فكان أحدهم ينظر إلى السماء ، فيرى كهيئة الدخان من الجوع ، ويذكر عن ابن الماجشون أن كل حديث جاء في التنقل والرؤية في المحشر ، فمعناه أنه يغير أبصار خلقه ، فيرونه نازلا متجليا ويناجي خلقه ، ويخاطبهم وهو غير متغير عن عظمته ولا منتقل ليعلموا أن الله على كل شيء قدير ، أو يجعلها تمثيلا لتفهم معان أخرى ، ولست أرى المقتصر على الثالثة من أهل الحق ، وقد صور الإمام الغزالي في عذاب القبر تلك المقامات الثلاث حين قال: أمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ، ولكنها عند أرباب البصائر واضحة ، فمن لم ينكشف له حقائقها ، فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها ، بل أقل درجات الإيمان التسليم والتصديق ( فإن قلت ) فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ، ونراقبه ، ولا نشاهد شيئا من ذلك ، فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة ( فاعلم ) أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا: أحدها وهو الأظهر والأصلح والأسلم: أن تصدق بأنها موجودة ، وهي تلدغ الميت ، ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية ، وكل ما يتعلق في بالآخرة فهو في علم الملكوت . . أما ترى الصحابة رضي الله عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل عليه السلام ،