واعلم أن من القتل والجرح ما يكون هدرا وذلك لأحد وجهين: إما أن يكون دفعا لشر يلحق به ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم في جواب من قال:
' يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال: فلا تعطه مالك ، قال: أرأيت إن قاتلني ؟ قال: قاتله ، قال: أرأيت إن قتلني ؟ قال: فأنت شهيد ، قال: أرأيت إن قتلته ؟ قال: هو في النار ' . وعض إنسان إنسانا ، فانتزع المعضوض يده من فمه ، فأندر ثنيته ، فأهدرها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فالحاصل أن الصائل على نفس الإنسان أو طرفه أو ماله يجوز ذبه بما أمكن ، فان انجر الأمر إلى القتل لا إثم فيه ، فان الأنفس السبعية كثيرا ما يتغلبون في الأرض ، فلو لم يدفعوا لضاق الحال وقال صلى الله عليه وسلم:
' لو اطلع في بيتك أحد ، ولم تأذن له ، فحذفته بحصاة ، ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ' . وأما أن يكون بسبب ليس فيه تعد لأحد ، وإنما هو بمنزلة الآفات السماوية ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم:
' العجماء جبار ، والمعدن جبار ، والبئر جبار ' . أقول: وذلك لأن البهائم تسرح للمرعى ، فاذا أصابت أحدا لم يكن ذلك من صنع مالكها ، وكذلك إذا وقع في البئر أو انطبق عليه المعدن ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سجل عليهم أن يحتاطوا لئلا يصاب أحد منهم بخطأ ، فان من القرف والتلف .