فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 331

2 -جهل الطلب: فلما هدّدهم هود بالعذاب، وأخبرهم بأنه يخاف عليهم العذاب، لم يتفاعلوا مع وعيده وتهديده، ولم يستقبلوا تخوّفه وإشفاقه، ولم يستجيبوا لدعوته ليرفع عنهم العذاب، ولو تصرفوا تصرّفا إيجابيا، لكانوا عالِمين، ولكان تصرّفهم منطقيا موضوعيا سليما.

لكنهم قوم يجهلون، فطلبوا إيقاع العذاب الذي يهدّدهم هود به، با استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا له: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .

هل يفعل هذا عاقلون؟ وهل يطلب هذا الطلب عالِمون؟ إن هذا الطلب الغبيّ لا يصدر إلا عن قوم جاهلين، ولهذا ردّ هود - عليه السلام - على طلبهم بصراحة ووضوح: {إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} .

3 -جهل التحليل والنظر: فلما استعجلوا العذاب، أرسل الله لهم ذلك العذاب في صورة سحاب عارض، اعترض الأفق، وغطّى الجبال أمامهم.

ولما شاهد القوم ذلك السحاب الكثيف المتراكم من بعيد، ظنّوه سحابا ممطرا، وقالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} . ففرحوا به واستبشروا، وعلّقوا عليه الآمال بالغيث والخصب.

وهذه نظرة جاهلة، وهذا تحليل وتعليل جاهل، صدر عن قوم جاهلين. فما درى هؤلاء الجاهلون السذّج أن هذا السحاب العارض هو العذاب الذي استعجلوه بجهل، ولهذا قيل لهم: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} .

وصور الجهل الثلاثة التي تحقق فيه قوم عاد - جهل الاختيار، وجهل الطلب، وجهل النظر - يتحقق فيها المعنى الجامع للجهل، فهم يجهلون جهلا مقابلا للعلم، لا يعلمون أن العذاب عند الله، وأن هودا - عليه السلام - لا يملك استقدامه أو دفعه، وهم يجهلون جهل الخفة والسفه والطيش، ولهذا استعجلوا العذاب، ولم يعرفوا أن السحاب الذي أمامهم هو العذاب الذي طلبوه.

(1) أ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت