فردّوا عليه قائلين: لو نعلم أنكم ستقاتلون قريشًا لما أسلمناكم، ولكننا نرى أنه لن يكون قتال بينكم وبينهم!
فلما لم يستجيبوا لعبد الله بن حرام - رضي الله عنه - وأصروا على الانصراف، قال لهم ابن حرام: أبعدكم الله يا أعداء الله، سوف يغنينا الله عنكم.
واختلف الصحابة في الموقف من هؤلاء المنافقين المنصرفين:
فقال بعض الصحابة: لا بد أن نقاتلوهم لأنهم خذلونا.
وقال آخرون: لا داعي لقتالهم، فنحن خارجون لقتال قريش.
فقال - صلى الله عليه وسلم: (( دعوهم إنها طيبة، تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الفضة ) ).
وأشار على الرسول - صلى الله عليه وسلم: بعض المسلمين أن يستعين باليهود في المدينة على قتال قريش في أحد. فأبى - صلى الله عليه وسلم -، وقال (( لا نستعين بالكافرين على المشركين ) )!! (1) .
وصل الجيش المجاهد إلى أحد، ووقعت المعركة، وانتصر المسلمون في الجولة الأولى منها، وانهزمت قريش، ونزل الرماة المجاهدون عن الجبل، ورأى المشركون تلك الثغرة على الجبل، والتفوا على المسلمين، ودارت الدائرة على المسلمين، ومرت عليهم الساعات شديدة، وقدف الله في قلوب قريش الانصراف، وتركوا ميدان المعركة، وقدّم المسلمون في المعركة سبعين شهيدًا، وسبعين جريحًا، ودفعوا الثمن غاليًا.
وأسعف الله المسلمين، وعالج آلامهم النفسية، فأنزل آيات من سورة آل عمران، تسجل بعض لقطات المعركة، وتستخلص منها الدروس والعبر، ومن الآيات هذه الآية التي تتحدث عن الشورى.
هذا هو الجو الذي نزلت فيه هذه الآية.
استغلّ المنافقون الأحداث المفاجئة في غزوة أحد، وما نتج عنها من نتائج وآلام، وحمّلوا مسؤولية ذلك للنبي - صلى الله علي وسلم - وأصحابه، وصاروا يثيرون الشبهات ضد القيادة النبوية،
(1) السيرة النبوية لابن هشام، (3/ 66 - 68) .