ولقد وعى نوح - عليه السلام - هذا العتاب والتوجيه والوعظ والتهديد من الله، فأعلن إنابته إليه، وخوفه من الخسارة، وسارع بطلب المغفرة والرحمة: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
والجهل الذي ينهى الله نوحا عنه هو المقابل للعلم، إن نوحا - عليه السلام - لم يعلم على ماذا مات ابنه، وهل مات على الإيمان أو الكفر، ولهذا استوضح واستعلم الأمر من الله، فجاءه الجواب المبين من الله.
ونوح - عليه السلام - لا يذم لعدم علمه ومعرفته بذلك، لأنه أمر غيبي، وهو لا يعلم الغيب، مع أنه نبيّ، إلا إذا أعلمه الله ذلك.
وإذا كان نوح لا يُذم لعدم علمه بهذا الأمر الغيبي، فلماذا لَامَهُ الله وعاتبه ووعظه؟
إنما كان ذلك ليزيل كل الروابط والأواصر التي تتعارض مع الإيمان، فمع أن نوحا - عليه السلام - الأب، تبرّأ من ابنه لما جاهر كفره، إلا أن عاطفة الأبوّة خُيِّلت له أن اعتزال ابنه لقومه قد يكون بسبب إيمانه، فهذه العاطفة هي التي أوحت له بهذا، ومن ثم، هي التي دَعَتْهُ ليطلب من ابنه ركوب السفينة، وهي التي حرّكته ليسأل ذلك السؤال من ربّه.
لذلك عاتبه الله ووعظه وهدّده، ليزيل إيحاءات وأفكار هذه العاطفة، عند ما تتعارض مع الإيمان.
وكأنه يقول له: إني أعظك أن تكون من الجاهلين، الذين تحرّكهم المشاعر، وتوجّههم العواطف المتعارضة مع الإيمان والحق، والذين يقدمون ما توحي لهم به هذه الروابط على الإيمان والحق.
علمًا أن نوحًا لم يكن من الجاهلين فيما قال وسأل، ولكنه الوعظ والتنبيه والتحذير!
أخبرنا القرآن عن بعض الفتن التي اُبتُلي بها يوسف - عليه السلام - في مصر، ومن أهم هذه الفتن فتنة الإغراء والإغواء والشهوة، حيث راودته امرأة العزيز عن نفسه فاستعصم، ولما