وعلل هؤلاء المسلمون ترك مفاصلة قومهم الكفار بقولهم: {لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} أي: لا نريدكم ولا نحرص عليكم، لأنكم جاهلون، ونحن لا نبتغي ولا نطلب ولا نريد الجاهلين.
وموقع {الْجَاهِلِينَ} من الإعراب في الجملة: {لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} مفعول به للفعل المضارع {نَبْتَغِيْ} .
والمراد بالجهل الذي وُصف به كفار أهل الكتاب هنا هو الجهل المقابل للعمل، المتمثل بكفرهم بالحق، والجهل المقابل للحلم، الذي يستلزم الخفة والسفه والطيش والعدوان، الذي حملهم على ارتكاب هذه الجرائم مع مسلمي قومهم.
وإذا كان الكفار جاهلين، على النوعين الرئيسين للجهل، فإن مسلمي قومهم قد ترفعوا عن الجهل، ولم يردوا عليهم بمثل جهلهم، فالطرفان المتقابلان بارزان هنا: الكفار الجاهلون، يقابلهم المسلمون الحلماء العالِمون.
وإذا كانت هذه الآيات قد بيّنت ترفّع وحلم مسلمي أهل الكتاب على الجاهلين السفهاء الطائشين من قومهم، فإنها تُذَكِّرنا بموقف عباد الرحمن من سفه وجهل الجاهلين عموما، الذي وقفنا معه عند استعراض الآية التي عرضت ذلك في سورة القرقان.
فأخبرتنا سورة الفرقان عن حلم وترك عباد الرحمن لجاهلي مجتمعهم: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] .
إنه موقف واحد في الحقيقة، يضع المسلمين عباد الرحمن في مقابل الجاهلين السفهاء الطائشين، ويدعو إلى ترفّع المسلمين على الجاهلين، وترك ومفاصلة المسلمين للجاهلين، وكل يعمل على شاكلته، وكل إناء بالذي فيه ينضح!!
أخبرنا الله في قصة البقرة أنه قُتل قَتِيل من بني إسرائيل زمن موسى - عليه السلام - ولم يُعْرف قاتله، فلجأ بنو إسرائيل إلى موسى - عليه السلام - فأخبرهم أن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة،