وقد اتفق المفسرون على أن الوليد ظن ذلك. وليس في الروايات ما يقتضي أنه تعمّد الكذب.
قلت: ولو كان الوليد فاسقا لما ترك النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - تعنيفه، واستتابته، فإنه روي أنه لم يزد على قوله له:"التبيّن من اللّه، والعجلة من الشيطان". إذ كان تعجيل الوليد الرجوع عجلة. وقد كان خروج القوم للتعرض إلى الوليد بن عقبة بتلك الهيئة مثار ظنّه حقا، إذ لم يكن المعروف خروج القبائل لتلقي السعاة ..." (1) "
والذي نميل إليه هو عدم القول بنزول الآيات قي الوليد بن عقبة - رضي اللّه عنه - لعدم صحة الرواية بذلك سندًا، وللنقد الموجَّه إلى متن الرواية، القائم على اتهام ذلك الصحابي بالفسق والجبن والخوف والكذب، علمًا أن الصحابة كلهم عدول، لا تجد بينهم كاذبًا ولا فاسقا.
وغاية ما يقال في مناسبة نزول الآيات: لقد حدثت حادثة ما، زمن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لا نملك تحديدها وتبيينها لعدم وجود رواية صحيحة أمامنا، قدّم فيها أحد الفاسقين خبرًا ونبأ كاذبًا، فهمّ الصحابة أن يعتمدوا كلامه، وأن يوقِعوا العقاب بمن نبأ ذاك الفاسق.
هذا غاية ما نقوله في نزول الآيات، ويهمنا أن ننقل إلى القاعدة العامة التي تقررها هذه الآيات.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} .
يأمر اللّه المؤمنين في هذه الآية بالتبيّن والتثبّت من أخبار الفاسقين، وينهاهم عن التسرع في أخذها، وقبولها على علاتها، وتصديق أصحابها الفاسقين، لأنهم إن فعلوا ذلك، فقد يؤذون آخرين، يوقعون بهم الضرر، ويصيبوهم بالسوء والشر،
(1) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور (26/ 229 - 230) .