وسبب ذلك هو تسرّعهم وعجلتهم واندفاعهم، وهذا جهالة وخفة وطيش، يجب أن ينزه المؤمنون أنفسهم عنه، وعند ما تزول حالة الجهالة عنهم، ويعودون إلى تفكيرهم الموضوعي المتزن، فسوف يقفون على ما فعلوا، في الوقت الذي لا ينفعهم فيه الندم.
وجملة {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} تعليل للأمر بالتثبت والتبين عند سماع خبر الفاسق، وكأنها تقول لهم: إن أخذتم خبر الفاسق بدون تمحيص وتثبت، فسوف نصيبون قومًا بجهالة.
وهذه الجملة، قد تكون في محل نصب مفعول لأجله، والتقدير: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا خشية أن تصيبوا قومًا بجهالة.
وقد تكون في محل نصب على نزع الخافض، بحيث تقدَّر اللام، والتقدير: تبينوا لئلا تصيبوا قومًا بجهالة.
والتقدير الأول أوجه، فالتبين من خبر الفاسق خشية إيقاع الضرر بالآخرين.
والباء في"بجهالة"باء المصاحبة، وشبه الجملة في محل نصب حال، أي: حالة كونكم متلبِّسين بجهالة.
والجهالة هنا ليست من الجهل المناقض للعلم، لكنها من الجهل المقابل للحلم والاتزان والموضوعية.
الجهالة هنا هي الخفة والطيش، الناتجة عن العجلة والتسرع والاندفاع والعاطفية، والسير وراء الخبر الذي قدمه ذلك الفاسق.
ومقابل الجهالة في الآيات هو التبين والتمحيص، فمن فعل ذلك مع أخبار الفاسقين كان حليمًا وقورًا، راشدًا متزنًا، علميًا موضوعيًا منهجيًا.
وآيات السياق تدل المسلمين على طريقة إزالة الجهالة: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ... } .