فالإمام عند ما يشاور الأمة، قد يسمع وجهات النظر متعارضة، وقد يخالفه ويعارضه بعض أفراد الرعية، وقد يقدِّم بعضهم رأيًا آخر، مخالفًا لرأي الإمام، فما موقف الإمام من المعارضين أو المخالفين له؟.
لا يجوز له أن (( يُحاسب ) )المخالف، ولا أن يعتبر ذلك خروجًا عليه، أو تشكيكًا في طاعته له، بل على العكس، فالمطلوب من الحاكم أن يقدِّر المخالف ويحترم المعارض.
إن تقديم أحد الرعية لرأي يخالف رأي الحاكم، لا يجوز أن يقود إلى تغيير رأي الحاكم فيه، أو تغيير قلبه عليه، ويجب على الحاكم أن يبقى رفيقًا بالمعارض، ليّنًا معه، رحيمًا به، مستغفرًا له، لأن هذا من لوازم الشورى، والكل حريص على مصلحة الأمة، سواء كان موافقًا لرأي الإمام، أو مخالفًا له، فالمسألة مسألة اختلاف آراء، وليست اختلاف قلوب، ولا تشكيكًا في الولاء.
لأجل إزالة ما قد يعلق بنفس الحاكم من غبش أو سوء بالنسبة إلى المخالفين والمعارضين تأمره الآية بالعفو عنهم والاستغفار لهم: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} .
إن الإنسان لا يدعو إلا لمن يجب، ولا يستغفر إلا لمن يقدر ويحترم ويصادق، فدعوة الإمام إلى العفو عن المخالفين والاستغفار لهم، معناها أن يحبهم ويقدرهم ويحترمهم، وهذا لايكون مع اتهامهم أو التشكيك في ولائهم!!.
14 -الشورى بطرفيها - عبادة الله، حسب مفهوم العبادة الواسع الشامل في الإسلام، فالحاكم عند ما يطلب المشاورة يمارس العبادة لله، والمستشاورون عند ما يقدّمون المشورة يمارسون العبادة لله، وبعملية الشورى تتحوّل الأمة كلها - حاكما وأفرادها - إلى عابدين لله، وبهذا تكون الأمة قريبة من الله، متصلةً بالله، تنال محبة الله، ويظللها رضوان الله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} .
لقد أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمشاورة المسلمين في أمورهم، كما لاحظنا في تفسر قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} .