رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله.
فسُرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: (( سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله كأني أنظر إلى مصارع القوم ... ) ) (1)
قال الواقدي في المغازي: لما اقترب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكان بدر، نزل منزلا ثم قال: أشيروا علي في المنزل.
فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله، فليس لنا أن نقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: (( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ) ).
قال: فإن هذا ليس بمنزل! انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم، فإني عالم بها وبقُلبِها، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه، وماء كثير لا ينزح، ثم نبني عليها حوضا، نقذف فيه الآنية، فنشرب ونقاتل، ونغوِّر ما سواها من القُلب.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( يا حباب: أشرت بالرأي ) ) (2) .
فنهض - صلى الله عليه وسلم - بالصحابة، ونزل في المكان الذي أشار به الحباب، وكان هو الخير.
الاستشارة الرابعة: استشارة الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسرى بدر:
(( قال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما: لما أسر المسلمون الأسر بعد بدر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا بكر وعمر وعلي ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ ) ).
فقال أبو بكر: يا نبي الله: هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام.
(1) السيرة النبوية لابن هشام، 1: 614 - 615. ودلائل النبوة للبيهقي، 32:3، ومجمع الزوائد، 73:6 وانظر صحيح السيرة النبوية لإبراهيم العلي: 167.
(2) المغازي للواقدي، 1: 53 - 54.