كفر المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنادًا، ولكنهم أظهروا أن كفرهم به بسبب عدم وجود آيات ومعجزات مادية معه، كما كان مع الأنبياء السابقين، وحلفوا أيمانًا مغلظة أنه إذا جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - بمعجزة مادية بيّنة، فسوف يؤمنون به ويتّبعونه.
فلعل بعض الصحابة مَالَ إلى تصديقهم، وذهب إلى أنه إذا كان المانع من إيمانهم هو عدمَ وجود معجزة مادية، فلماذا لا يطلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ربّه أن يُجري على يديه تلك المعجزة، ليؤمن به أولئك المشركون.
فبيّن الله لأولئك الصحابة أن الكفار معاندون، وأنه لا تنقصهم الآيات، وأنه مهما جاءتهم الآيات والمعجزات فلن يؤمنوا بها إلا إذا شاء الله غير ذلك، وأجبرهم على الإيمان إجبارا، وقد شاء سبحانه أن لا يجبرهم.
قال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 109 - 111] .
الآية الأخيرة تقرر أن الله لو استجاب لطلبات الكفار، فنزّل إليهم الملائكة من السماء، وخاطبوهم شاهدين على أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو بعث الله آباءهم وأجدادهم الموتى من قبورهم، وخاطبوهم شاهدين على أن محمدا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو حشر الله عليه كل شيء من المخلوقات الحيّة، من الحيوانات والحشرات والزواحف والطيور، وجاءت هذه الأحياء مقابلة معاينة لهم، وشهدت أن محمدا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
لو قدّم الله لهم هذه الآيات كلها، فإنهم لن يؤمنوا بالله ورسوله، ولن يدخلوا في دينه، إلا إذا شاء الله إيمانهم.