هذه الظنون التي ظنها المنافقون بالله ظنون باطلة، قائمة على الحواجس والأوهان والوساوس.
وقد وصف الآية هذه الظنون والأوهام الباطلة بأنها ظن الجاهلية: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} .
ولم تترك الآية ظن الجاهلية مبهمًا، بل بيّنته ووضحته، من خلال تسجيلها لأقوال المنافقين، التي تدل على ظنهم الجاهلي الباطل بالله عزّ وجلّ، وقد سجلت أقوالهم ثم ردت عليهم.
فالمظهر الأول: من مظاهر ظن الجاهلية عند المنافقين قولهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} وقد قالو هذا معترضين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قيادته للمسلمين في معركة أحد، وادعوا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاهلهم وأهملهم، ولهذا يقولون باستنكار: هل لنا من الأمر المتعلق بالمعركة من شيء؟
وهذا الاعتراض دليل على جاهلية ظنهم وتصورهم وتفكيرهم، فالتصور الإيماني يرشد أصحابه إلى الاستسلام لأمر الله، والرضا بقضائه. ولهذا جاء الرد عليهم صريحًا في الآية: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}
والمظهر الثاني: لظنهم الجاهلي في ما قالته الآية عنهم: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ}
والجاهلية في هذا التصرف هي أنهم يتعاملون به مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤيد بالحق من الله، الذي يكشف الله له عن الخفايا والحيل والمكائد، ومع ذلك يتعاملون معه بنفاق وتحايل، فَيُظْهرون له الإسلام والتأييد والمتابعة، بينما يخفون في أنفسهم الكفر والتكذيب والاعتراض.
والمظهر الثالث: لظنهم الجاهلي في قولهم {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا}