والجاهلية في التصور الباعث على هذا القول جاهلية اعتقادية، تتعلق بالقضاء والقدر، والعمر والأجل، والحيات والموت، فالمنافقون معترضون على معركة أحد، وعلى الدماء التي سفكت فيها، وعلى الصحابة الذين استشهدوا فيها، ويثيرون بذلك الشبهات بين المسلمين. ويقولون لهم: لو لم نخرح على ميدان المعركة لما قتل أقاربنا ولو بقوا في بيوتهم لحافظوا على أعمارهم.
وهذه النظرة من المنافقين للموت والأجل جاهلية تصورية اعتقادية، ولذلك ردت الآية على ذلك بتقرير الحقيقة الإيمانية في الحياة والموت والعمر والأجل: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}
والحقيقة الإيمانية في هذا الرد أن الخروج للقتال والتعرض للكفار لا يقصر عمرًا، وأن الجبن والقعود في البيت لا يطيل عمرًا، والإنسان لا يموت إلا بأجله الذي حدده الله له، وإذا حان أجله يموت بدون تأخير. ومهما كان حذرًا محتاطًا فلا بد أن يموت، لأنه لا ينفع حذر من قدر، فلو كان شهداء غزوة أحد جالسين في بيوتهم، قاعدين عن القتال، فسوف يخرجهم الله إخراجًا إلى المكان الذي حدده لموتهم، وسوف يساقون سوقًا إلى السبب الذي قدره الله لخروج أرواحهم.
إن الآية تكشف لنا عن تصور المنافقين واعتقادهم، وترينا تفكيرهم ونظرتهم، وتقدم لنا ظنهم ورأيهم، وتصف ذلك كله بأنه (( ظن الجاهلية ) ).
ظنهم ظن الجاهلية، لأنهم قد أهمتهم أنفسهم، لأنهم ظن بالله غير الحق، ولأنهم يعترضون على الصحيح، ويقولون: هل لنا من الأمر من شيء؟ ولأنهم يكتمون الحقيقة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويظهرون له خلاف ما يكتمون، ولأنهم يظنون أن الإقدام يُقصر العمر وأن القعود يطيل العمر.
وهذه كلها أمور تصورية نظرية فكرية اعتقادية باطلة، وكلها تقود إلى ظنون وأوهام وهواجس ووساوس.
وقد سماها الله (( ظن الجاهلية ) )لأنها تصورات وأفكار كفار في العصر الجاهلي، قبل نزول القرآن، الذي أزال تلك الظنون الجاهلية عن المسلمين، لكنها بقيت عند هؤلاء المنافقين، لأنهم في الحقيقة كفار.