(( والجاهلية ) )في الآية صفة لموصوف محذوف، تقديره: يظنون بالله غير الحق كظن أهل الجاهلية.
و (( الجاهلية ) )هنا اسم مشتق من الجهل، وقد ابتكره القرآن وسبق إليه، فلم يرد على ألسنة الناس قبل نزول هذه الآيات، ثم ورد في الأحاديث النبوية وكلام الصحابة بعد ذلك، ثم شاع على الألسنة.
ويراد هنا بالجاهلية سوء الظن والتصور والإدراك، الذي يقود أصحابه إلى السفاهة والخفة والطيش، ويوصلهم إلي الحمية الباطلة والعدوان الآثم.
وهذه التصرفات والأعمال التي كانت تصدر عن العرب الجاهلين الكفار، قبل نزول القرآن.
ومما يوضح المراد بظن الجاهلية الذي وصف به المنافقون هنا، ظن السوء الذي ظنّه المخلفون من الأعراب قبيل صلح الحديبية، والذي قال الله عنه: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 11 - 12]
وظن الجاهلية الباطل في التصور والاعتقاد والتفكير، كان عند الكفار في العصر الجاهلي قبل نزول القرآن، وقد أصاب المنافقين واعتراهم، مع نزول القرآن، لأنهم لا يريدون أخذ البيان القرآني لتلك الحقائق، ذلك البيان الواضح الذي أخذه الصحابة، فاتضحت أمامهم الحقائق، وتخلوا عن الظنون والأوهام الجاهلية التي كانو عليها.
وهذا يعني أنهما حالتان متقابلتان، موجودتان عند الناس:
الأولى: ظن الجاهلية في الأوهام والوساوس والظنون والتصور والأفكار.
الثانية: البيان القرآني لحقائق الأفكار، الكفيل بإزالة الجاهلية.
والناس يختلفون في اختيار أي من الحالتين: ظن الجاهلية، أو الحقيقة القرآنية.