فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ!
«وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ» (1)
ونقل ابن كثير في تفسيره: أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرَّ عَلَى عِيرٍ لِأَهْلِ الشَّامِ وَفِيهَا جَرَسٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا مَنْهِيُّ عَنْهُ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْكَ، إِنَّمَا يُكْرَهُ الجُلْجُل الْكَبِيرُ، فَأَمَّا مِثْلُ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ!.
فَسَكَتَ سَالِمٌ وَقَالَ: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} .
كما نقل ابن كثير قول أحد العلماء في تصنيفٍ حسنٍ للناس من خلال هذه الآية:
"وقال بعض العلماء: الناس رجلان:"
فرجل محسن، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يُحرجه.
وإما مسيء، فمره بالمعروف،
فإن تمادى على ضلاله، واستعصى عليك، واستمر في جهله، فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يرد كيده .." (2) ."
عرفنا أن اسم الفاعل المجرور: {الْجَاهِلِينَ} قد ورد في القرآن خمس مرات، ونقف بعض استعراضنا السريع لتلك المرات: كي نستخلص بعض الدلالات واللطائف، منها:
1 -الجهل، مهما كان نوعه، عيب ونقص، ولهذا نزّه الله عنه رسله، وحرص الرسل على نفيه عنهم، أي أن الجهل ليس من صفات الأنبياء.
2 -الجهل في المرات الخمسة قد يراد به الجهل المناقض للعلم، وقد يراد به المناقض للحلم والرشد، وهذان هما المعنيان الأساسيان للجهل.
(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير برقم 4366.
(2) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 308 - 309) .