فهذه الجملة: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أساس الدعوة الإصلاحية بين المسلمين، القائمة على الأمر بالمعروف الحلال المطلوب، والنهي عن المنكر الحرام المرفوض.
3 - {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} : اترك الجاهلين السفهاء، المصرِّين على المخالفة والمعصية، المتمادين في الضلالة والحرام. اتركهم وأهملهم بعد أن تَنْصحَهم وتُذَكِّرَهم، وتأمرَهم بالمعروف الحلال، وتنهاهم عن المنكر الحرام.
والجهل المذكور هنا قد يكون من الجهل المقابل للعلم، أي الجاهلون الذين لا يعلمون، فأنت تُعرض عنهم بعد أن تعلمهم، وتزيل لهم جهلهم بالعلم، ولكنهم مع ذلك يصرّون على جهلهم.
وقد يكون من الجهل المقابل للحلم والرشد، فيكون من الخفة والطيش والسفاهة، أي: الجاهلون السفهاء، الذين يُسِيئون للآخرين في الكلام والفعل والتصرف والممارسة، ويجهلون على الآخرين لسفههم وخفتهم.
إذا ابتُلي بهؤلاء الجاهلين فعليه نصحهم وتذكيرهم، فإن لم يستجيبوا له وأصرّوا على جهلهم، فعليه أن يتركهم ويعرض عنهم، ويهملهم ويسقطهم من حسابه، ولا ينزل إلى مستواهم الجاهلي الهابط، ولا يقابل جهلهم بجهل مماثل، بل يترفع ويسمو بأخلاقه العظيمة.
وخير مَن طبّق هذه التوجيهات الأخلاقية العظيمة بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - هم أصحابه الكرام - رضي الله عنهم -.
روى البخاري في كتاب التفسير عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: «قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا» ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ» ،
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ، وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ!!،
فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ.