وفي قوله: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} : علاقتُهم وسِمَتُهم تقود إلى المعرفة بهم، وهذه المعرفة تزيل الجهل بهم، وتوقِف على مدى حاجتهم.
فالجهل في مقابل المعرفة، والمعرفة هي التي تزيل الجهل، والسمة في مقابل التعفف، فالتعفف سبَّبَ الجهلَ بهم، والسمة الكاشفة سبَّبَت المعرفةَ بهم. وسبحان من أنزل هذه القرآن!!
لقد أخبرنا أن إخوة يوسف العشرة حسدوه، وكادوا له كيدا، وتآمروا عليه، فوضعوه في البئر، وجاءت قافلة تجار، فأخذوه وباعوه رقيقا في مصر، وكذبوا على أبيهم، ثم جرت الأحداث ليوسف - عليه السلام - كما قدّر الله بحكمته، وانتهى الأمر به ليكون عزيز مصر، وحاكمها، وجاء أخوتُه إليه، وهم لا يعرفونه، طالبين للطعام، وجرى بينه وبينهم أحداث، أدّت إلى أخذ يوسف - عليه السلام - لأخيه بشبهة السرقة ..
وأخيرا جاء الإخوة ليوسف، وهو في غاية الذل والضعف والحجة، هنا ذكّرهم يوسف بما فعلوا به، ووصفهم بالجهل.
قال تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ. قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ. قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 88 - 92] .
لما قَدَّم يوسف - عليه السلام - نفسَه إلى إخوته، ذكّرهم بموقفهم السابق منه، وجرائمهم ضده، ودعاهم إلى العلم بذلك واستحضاره: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} .