وتذكّروا ذلك"الشريط الأسود"، وشعروا بالخزي، وطأطأوا رؤوسهم خجلا وحياء، وأعلنوا خطأهم قائلين له: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} .
فقابل يوسف - عليه السلام - جهلهم بحلمه، وخطأهم بعفوه، وإساءتهم بإحسانه، وتجاوز عن كل ما فعلوه به، واستعالى على كل ما سببوه له من جراح وآلام، وقال لهم: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .
وعند ما نقف أمام وصف الإخوة بالجهل: {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} ، فإننا نخرج بهذه الإشارات:
1 -كان جهلهم جهلَ سفهٍ، وخفة، وطيشٍ، وليس جهلا ناتجا عن عدم علم ومعرفة. لقد كانوا يعلمون أن يوسف أخوهم الصغير، وأنهم مطالبون بحمايته، وأنه لا يجوز أن يتآمروا عليه، ولا أن يضعوه في البئر، ولا أن يكذبوا على أبيهم النبي يعقوب - عليه السلام -، كانوا يعلمون هذا وغيره ولا يجهلونه. ومع هذا، خالفوا علمهم بكل هذا، وتصرفوا بجهل، وسَفَهٍ، وطيش، وفعلوا ما فعلوا.
جهْلُهم هذا هو المقابل للحلم والاتزان، فلو أحسنوا الظن بأبيهم وأخيهم، ولو تخلوا عن حقدهم وحسدهم، لما قاموا بتلك التصرفات السخيفة الطائشة الجاهلة.
2 -عبر لهم يوسف عن جهلهم بصيغة الماضي: {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} . و {إِذْ} ظرف لما مضى من الزمان، وكأن يوسف - عليه السلام - يلحظ زوال جهل الخفة والطيش عنهم، فهم الآن واقفون أمامه. ومرّ على جريمتهم السابقة سنوات عديدة، قد تتجاوز الثلاثين سنة.
لقد أنضجتهم هذه السنوات، وما حملته من أحداث وتجارب، ومالت شخصياتهم إلى الاتزان والموضوعية والعقلانية.
وكأنه يقول لهم: كنتم جاهلين جهل خفة وطيش، والآن أنتم متزنون عقلانيون.
3 -وإذا كانوا يلامون على جهلهم السابق، فقد أشار السياق إلى جهل آخر وقعوا فيه، وهو بمعنى عدم المعرفة والخبرة. لقد جهلوا شخصية"عزيز مصر"الذي كلموه وقابلوه عدة مرات، ومع ذلك يجهلون اسمه، فما كانوا يعرفون أن عزيز مصر وحاكمها هو أخوهم يوسف الذي ألقوه في البئر وهو صغير!!