ولا يُلام الصحابة على جهلهم بحقيقة طلب وأيمان الكفار، ولا يُذمّون بسببه، لأنه ليس ناتجا عن تقصير أو تعمّد، وكثيرا ما يجهل الإنسان مسائل ومعارف، ولا يُلام على جهله، لأنه لم يعتمد ذلك.
والتعبير بالأكثرية: {أَكْثَرُهُمْ يَجْهَلُونَ} يدل على أن بعض الصحابة ما كانوا يجهلون الموضوع، وإنما كانوا ببصائرهم النافذة يعلمون حقيقة كفر الكفار، وحقيقة طلبهم، ولذلك لم ينخدعوا بأيمانهم.
ونرى أن هذا التأويل للآيات مقبول، فيمكن أن يراد بالجاهلين في: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أكثرية الصحابة، ويكون الجهل المقابل للعلم، وقد زال الجهل بالتعليم والتوضيح الذي ذكرته الآيات.
لكن من هم الكفار الذين يجهلون؟ ولماذا عبّر بالأكثرية؟ وما الذي جَهِله أكثرهم وعَلِمَهُم أقلّهم؟
1 -يمكن أن يكون الموضوع الذي جهلوه هو الآيات التي طلبوها، فقد طلبوا آية ليؤمنوا، فأخبرهم الله أنهم لن يؤمنوا مهما أتاهم من الآيات، حتى لو نزل عليهم الملائكة، وكلّمهم الموتى، وحشر عليهم كل شيء قُبُلًا.
وهذا الجهل شامل للكفار جميعا، فلماذا قالت الآية: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} ؟
2 -ويمكن أن يكون الموضوع الذي جهلوه هو السنة الربانية في الإيمان والكفر، ولذلك ظنوا أن الإيمان يحصل ويوجد بعد قدوم الآيات. فأخبرهم الله أن الإيمان مرتبط بحشية الله، فلو شاء الله إيمانهم لآمنوا، ولو لم يأتهم آيات، ولو شاء الله عدم إيمانهم لما آمنوا مهما آتاهم من آيات: {وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} .
وهذا الجهل بالسنة الربانية شامل للكفار جميعا، فلماذا قالت الآية: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} ؟ هل يدل هذا على أن بعض الكفار يعلمون حقيقة القضاء والقدر؟ ويعلمون أن الإيمان والكفر مرتبط بمشيئة الله؟ الجواب بالنفي!