قال الله عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ال عمرن: 159] .
يمتنّ الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ويثنى على أخلاقه العظيمة السمحة مع أصحابه، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان هينًا لينًا متواضعًا سمحًا رفيقًا مع المسلمين، وهذا اللين والرفق رحمة من الله، ولو لم يرحمه الله بتحسين أخلاقه لكان سيئ الخلق معهم.
ولين الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه، جعلهم يحبون أكثر، ويزدادون قربًا منه، ويجتمعون عنده، ويوثقون صلتهم به. أما لو كان معهم فظا شديدًا قاسيًا غليظ القلب صعب المعاملة، فإنهم سينفضون عنه، ويتحلون عنه، ويبتعدون عنه، ويتركونه، لأن الناس لا يقبلون على فظّ غليظ القلب.
ويوجّه الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - باستشارة المسلمين في أمورهم بأن يعرض الأمر عليهم ويطلب منهم التفكير فيه، وتقديم آرائهم حوله، لينظر في هذه الآراء ويأخذ المناسب منها.
وبعد ما يشاور الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين في الأمر، وبعد ما يأخذ بالرأي الأنسب، فعليه بأن يعزم على تنفيذ وإمضاء ما ارتآه، وأن لا يتردد في ذلك، وأن يتوكل على الله، ويفوِّض أمره إليه.
ثانيا: الجو الذي نزلت فيه الآية:
هذه الآية مع آيات قبلها وبعدها، أنزلها الله في التعقيب على أحداث غزوة أحد، واستخلاص دروس ودلالات وعبر منها، وقد شاور الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه قبل الخروج إلى ميدان المعركة، ونتج عن الشورى أحداث شديدة قاسية على المسلمين، فأنزل الله هذه الآية يؤكد فيها الأمر على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالشورى.