وحتى ندرك أبعاد الآية وحقائقها وأهمية توجيهاتها، فعلينا أن نعيش (( الجو ) )الذي نزلت فيه، وأن نستحضر ذلك الجو الذي عاشه الصحابة.
تحدث محمد بن إسحاق في السيرة عن خروج قريش لقتال المسلمين، في السنة الثالثة، فلما علم بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع المسلمين، واستشارهم في الأمر.
وقبل أن يستشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في أمر المعركة كان قد رأى رؤيا عجيبة، لها ارتباط مباشرة بالمعركة.
رأى - صلى الله عليه وسلم - بقراّ يُذبح، رأى في سيفه ثلمَة - أي نقضًا - ورأى أنه أدخل يده في درع حصينة.
ولما قصّ رؤياه على الصحابة قالوا له: ما أوّلت الرؤيا يا رسول الله؟
قال: البقر الذي يذبح هم ناس من أصحابي يقتلون في المعركة. والثلمة التي في سيفي رجل من أهل بيتي يقتل. والدرع الحصينة هي المدينة.
وقد تحققت رؤيا الرسول - صلى لله عليه وسلم - لأن رؤيا الأنبياء حق، حيث استشهد سبعون من الصحابة، وجرح سبعون، وكان في مقدمة شهداء عم الرسول الله - صلي الله عليه وسلم - حمزة - رضي الله عنه -. وعاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع المسلمين إلى المدينة، ولم تحقق قريش أهدافها، مع ارتفاع الضحايا عند المسلمين.
ومع هذه الرؤيا فإن رسول الله - صلى الله ليه وسلم - قد استشار أصحابه في مكان المعركة، هل يقاتلون قريشًا في المدينة، أم يقاتلون خارج المدينة؟
وكان رأي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن لا يخرجوا من المدينة، بل يتحصنون فيها، فإذا دخلت قريش المدينة، قاتلها المسلمون في الشوارع والحارات والأزقة.
وكان مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الرأي مجموعة كبيرة من المسلمين، وكان هذا رأي عبد الله بن أبيّ زعيم المنافقين.
ولكن الأكثرية من المسلمين كان لهم رأي آخر، وبخاصة الذين لم يشتركوا في معركة بدر، فقد كان رأيهم الخروج خارج المدينة، وقتال قريش بعيدًا عنها.