فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 331

لعل موسى - عليه السلام - استغرب من ردّ قومه عليه، واتهامهم له بأنه يهزأ بهم، ولذلك سَارَع بنفي هذا عن نفسه، واستعاذ بالله من ذلك: {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} .

أي: لست جاهلا حتى أهزأ بكم وأسخر منكم، ولستُ عابثا عند ما طلبتُ منكم ذبح البقرة، لقد كنتُ أبلّغكم أمر الله، وأمر الله للتنفيذ، ولا يجوز لكم أن تنظروا إلى أمر الله هذه النظرة.

وإذا كان موسى - عليه السلام - يُنَزِّه نفسَه عن الجهل، لأنه لا يتفق مع مقام النبوة والرسالة، وإذا كان ينفي عن نفسه أن يكون من الجاهلين، فإنه في المقابل يثبت لقومه السفهاء صفة الجهل، وكأنه يقول لهم: أنا لستُ من الجاهلين، أما أنتم فإنكم جاهلون من الجاهلين، أنتم جاهلون لأنكم نظرتم إلى أمر الله هذه النظرة، وجاهلون عند ما ظننتم بي هذا الظن، وجاهلون عند ما كلتموني بهذا الكلام، ورددتم عليّ بهذا الردّ!!

والمراد بالجهل الذي نزّه موسى نفسه عنه، ووصف به قومه، الخفة والطيش، والسفاهة، إنه الجهل المقابل للاتزان والجدية، وليس المقابل للعلم، لأن القوم من بني إسرائيل كانوا يعلمون وجوب تنفيذ أوامر الله التي يبلغهم إياها نبيّهم، يعلمون هذا ولا يجهلونه، ومع ذلك، جهلوا في ردّهم على موسى ذلك الردّ، فجهْلهم هو سفاهتهم، وخفّتهم، وطيشهم، ولذلك استعاذ موسى - عليه السلام - بالله أن يكون بهذا الجهل مثلهم.

المطلب السابع: ينهى الله نوحا - عليه السلام - أن يكون من الجاهلين

لما أراد الله إهلاك قوم نوح بالطوفان، أمر نوحا - عليه السلام - بصنع السفينة، وطلب أن يُركب فيها المؤمنين من أهله مع أتباعه، ونهاه عن حمل أحد من أهله الكافرين.

ولما بدأ بالطوفان، وسارت السفينة بركابها المؤمنين في موج كالجبال، رأى ابنه الذي كان مع الكافرين، في معزل معتزلًا الكافرين، واقفا وحده، فظنّ نوع أنه لعله بدا لابنه أن يتخلى عن كفره، وأن يؤمن، ولهذا وقف وحيدا، فدعاه إلى أن يركب السفينة معهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت