ولكن الابن ردّ على أبيه بأنه سيأوي إلى جبل يعمصه من الماء، ويحميه من الطوفان، ولم يصرّح الابن لأبيه بحقيقة موقفه الأخير، وهل هو الآن مؤمن أو كافر، وأخبر نوح ابنه أنه لا يعصمه جبل ولا غيره، لأنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله.
وبينما كان الحوار مستمرا بين نوح وابنه، جاء الموج فسحب الابن معه وأغرقه!!
وشاهد نوح - عليه السلام - غرق ابنه، ولم يعرف على ماذا مات ابنه، وهل كان في آخر أمره مع المؤمنين أو مع الكافرين، فطلب نوح - عليه السلام - من ربّه أن يبيّن له نهآية ابنه.
قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 45 - 47] .
يقول نوح - عليه السلام - لربّه: إن ابني من أهلي، وإنه كان في معزل عند ما بدأ الطوفان، وإنني لا أعرف هل بدا له أن يؤمن أم لا؟ ووعدك الحق، حيث وعدتني أن تنجي أهلي المؤمنين، وابني لم يَنْجُ، أنت أحكم الحاكمين. وكان نوح - عليه السلام - في سؤاله راغبا في العلم والمعرفة، باحثا عن الحقيقة، ولم يكن معترضا على قدر الله.
وجاءه البيان والتوضيح من الله، مقرونا بالوعظ والتعليم: ابنك ليس من أهلك المؤمنين، لأنه كافر، عاش كافرا، وبقي كافرا حتى آخر لحظة، ولذلك غرق في الطوفان كباقي الكفار!!
ثم جاء التوجيه والتعليم من الله لنوح - عليه السلام - تعقيبا على السؤال والجواب، فنهاه الله عن أن يسأله ما ليس له به علم، وحذّره أن يكون من الجاهلين.
{فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وهذا يعني: أنه عند ما سأل ربّه عن نهآية ابنه كان يسأله عما ليس له به علم، ولذلك كره الله سؤاله.
{إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} : أحذّرك من الجهل، وأنهاك عنه، وأعظك حتى لا تكون من الجاهلين الذين لا يعلمون، وأعلّمك حتى يزول عنك الجهل بما سألت عنه.