ففي عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختار الصحابة الحقيقة القرآنية، فأزال الله عنهم ظن الجاهلية ووساوسها، ومنحهم الأمنة والسكينة والطمأنينة، بينما رفض المنافقون الحقيقة القرآنية واختاروا ظن الجاهلية، وأفسدوا تصورهم واعتقادهم وفكرهم، ووقعوا في الهواجس والوساوس، وتصرفوا تصرفات تدل على سفههم وخفتهم وطيشهم وجاهليتهم.
ولا تزال الحالتان المتقابلتان موجودتان في البشرية، حتى قيام الساعة: ظن الجاهلية والحقيقة القرآنية، ولا يزال الناس في كل زمان يختلفون في الاختيار، فمنهم من يختار ظن الجاهلية، فيكون جاهليا في فكره وتصوره ونظرته واعتقاده، طائشا سفيها في تصرفاته وأفعاله، ومنهم من يختار الحقيقة القرآنية الهادية، فيكون قرآني التصور والنظر والفكر، ويكون آمنا مطمئنا، متزنا موضوعيا في حياته!!
قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: 48 - 50)
تتحدث الآية الأخيرة عن (( حكم الجاهلية ) )وتضعه في مقابل (( حكم الله ) )، وتنكر على من طلبوا حكم الجاهلية، وتقرر أنه ليس أحسن حكما من حكم الله.
والسياق الذي وردت فيه الآية، يتحدث عن وجوب الحكم بما أنزل الله، ووجوب التحاكم إلى شرع الله، والنهي عن الاحتكام إلى غير منهاج الله.