فبعد أن بين الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - طبيعة القرآن الذي أنزله عليه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} أمره بالحكم بين الناس بهذا القرآن الذي أنزله إليه، وأكد عليه الأمر بصيغتين.
الصيغة الأولى: في قوله {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}
حيث أتبع أمره بالحكم بما أنزل الله، بالنهي عن اتباع أهواء الرافضين الاحتكام إلى شرع الله، وبالذات أهل الكتب السابقة كاليهودي والنصارى، وقد قرر حقيقة هادية، وهي أنه جعل لكل أمة من الأمم شرعة خاصة بهم، ومنهاجا محددا لهم، وأن هذه الشرعة وهذا المنهاج يوافقان وضع كل أمة، ويلبيان حاجتها.
والمهم أن يوقن بأنه على الحق الواضح من الله، وأن اليهود والنصارى على الهوى والضلال، وشرعتهم منسوخة، فكيف يترك الحق الذي معه، ليتبع الهوى الذي هم عليه؟ وهذا معناه أن الاحتكام إلى غير شرع الله هوى وضلال وانحراف.
الصيغة الثانية: في قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}
وليست الآية الثانية تكرارا للآية الأولى، فإننا نوقن أنه لا تكرار في القرآن، لقد قدمت الآية الثانية إضافة جديدة، وهي وجوب الحذر من محاولات أصحاب الهوى من اليهود والنصارى، من فتنة الحاكم الذي يحكم بينهم بما أنزل الله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}
ولا ننسى التعبير بكلمة (بعض) في هذا التحذير الرباني، فهو يدل على وجوب الحكم (بكل) ما أنزل الله، في كل صغيرة وكبيرة، وحرمة (التنازل) عن بعض ما أنزل الله، والحكم في هذا (البعض) بغير ما أنزل الله.