بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ.
وميزان نوح - عليه السلام - في وزن الناس وتقويمهم صحيح سليم، ونتائج الوزن فيه صائبة، ولما وزن أتباعه في هذا الميزان، وجدهم ذوي وزن وقيمة ومنزلة، ولهذا قال لقومه يوضح هذه الحقيقة: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ. وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} .
إن نوحا - عليه السلام - يبيّن للملأ المستكبرين من قومه جهلهم في وزن الناس وتقويمهم، ولذلك يعتبرون المستضعفين أراذل، بادي الرأي، ليس لهم على الملأ من فضل، فهم كاذبون، ولن يؤتيهم الله خيرا، ولهذا ازدرتهم أعين هؤلاء الملأ واحتقروهم.
وإذا كانوا هكذا في ميزان الملأ الجاهلي، فإنهم في ميزان نوح الإيماني: مؤمنون، موقنون بملاقاة الله، مقربون عند الله، جنود لله، الله أعلم بما في أنفسهم من خير وإيمان، فهو يحبهم، وينتقم ممن ظلمهم واحتقرهم وازدراهم!
الجهل الذي وقع به هؤلاء الملأ هو جهل بالقيم الحقيقية التي يوزن بها الناس، وهو جهل خفة وطيش، جهل سلوكي تقويمي، وهذا الجهل أدى إلى استخفاف الملأ بالمؤمنين وازدرائهم.
ونرى تحقيق المعنيين الأساسيين للجهل في جهل هؤلاء الملأ، فعدم علمهم بالميزان الصحيح لوزن الناس، قادهم إلى الاستخفاف بالمؤمنين وازدرائهم!!
بعث الله لوطا - عليه السلام - نبيًّا إلى قومه، وكانوا كفارا مشركين بالله، ووجد عندهم انحرافا من نوع آخر، انحراف سلوكي شهواني، وهو إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء، فذمهم لأجل ذلك، ووصفهم بالجهل.