أي قرار أو حكم لا يكون بعد التشاور، لا يحقق التراضي، ولو كان قرارً صوابًا، لأنه يلغي اعتبارا أو قيمة الطرف الآخر، وأي قرار أو حكم يكون بعد الاتفاق والتشاور يحقق التراضي بين الطرفين: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} .
وهناك حكمة لطيفة نشير إليها وهي: أن الآية تقرر مبدأ التشاور بين الزوجين المتخاصمين بشأن موضوع خاص، وهو إرضاع وفطام طفل صغير، وذلك لأهمية الشورى في هذه المسألة الفرعية الخاصة، المتعلقة بطفل رضيع.
وهذا يدل على أهمية التشاور بين المسلمين في القضايا والأمور العامة، فإذا كان إرضاع طفل أو فطامه يحتاج إلى تشاور ورضا بين أبويه، فما بالك بأمور المسلين الكلية العامة الهامة؟
ولهذا كم كان الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله - فطنًا وموفقًا عند ما لاحظ الربط بين التشاور في المسألة الجزئية بشأن الطفل الرضىيع، وبين المسائل العامة عند المسلمين!
قال في تفسيره لهذه الآية: (( إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال تربية الولد، ولا يبيح لأحد والديه الاستبداد بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبدّ بالأمة كلها!؟ - وأمر تربيتها وإقامة العدل فيها أعسر، ورحمة الأمراء أو الملوك دون رحمة الوالدين بالولد وأنقص!! ) ). (1)
مما يدل على أهمية الشورى في الإسلام، واهتمام القرآن بها، تسمية سورة من سور القرآن بها، والعجيب أن سورة (( الشورى ) )مكية، وقد جاء وصف المسلمين في تللك السورة بالصفة المميزة لهم: وهي: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} .
وجاء وصف المسلمين بأن أمرهم شورى بينهم في هذه السورة المكية، وهم مستضعفون في مكة، وقبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقبل أن يكون لهم دولة وكيان ونظام حكم.
(1) تفسير المنار، 2/ 414.