وعلى هذا يكون معنى الاستدراك: أكثر الكفار يجهلون السبب الذي دفع الكفار الملأ إلى طلب الآيات، وحلف الأيمان المغلّظة عليه. إنهم لا يعلمون أن ملأهم كاذبون في كلامهم، كاذبون في أيمانهم، غير جادين في طلبهم، إنهم يجهلون كل ذلك، ولذلك صدّقوا قادتهم.
أما الأقلية من الكفار فإنها ليست جاهلة، أي: أن الملأ والقادة المخططين لا يجهلون الأمر، إنهم يعلمون مقصدهم من كلامهم وطلباتهم وأيمانهم، إنهم يعلمون أنهم بذلك يخادعون الآخرين، ويعلمون أنهم يريدون بذلك محاربة الإسلام، ويعلمون أنهم لن يؤمنوا مهما قدّم لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - من آيات مادية، لأنهم يعلمون أنهم معاندون مخادعون.
وعلى هذا القول يكون المراد بقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} الأكثرية المستغفلة من الكفار، المتابعة للأقلية المخططة، فهذه الأكثرية لا تعلم حقيقة بواعث وأهداف الأقلية من طلباتها وشبهاتها ضد الإسلام.
وعلى هذا يكون المراد بالجهل هنا هو نقيض العلم، وهم يُذَمُّون على هذا الجهل، لأنهم ألغوا عقولهم، وتابعوا ساداتهم وكبراءهم في كل شيء.
ونرى أن هذا هو القول الراجح في تأويل هذه الآيات، والله أعلم.
لقد أطلنا الكلام على المراد بالجهل والجاهلية في هذه الآيات، لأن في معناها إشكالا وغموضًا، وكل المفسرين أطالوا الكلام عليها، والْتَبَست على معظمهم أمور كثيرة تتعلق بها.
الراجح أن المراد بقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} : هم الأكثرية الكافرة المتمثلة في الأتباع، الذين يتابعون أسيادهم الملأ القادة في حرب الحق.
والموضوع الذي جهله هؤلاء الأتباع هو حقيقة شبهات الملأ، والدوافع الحقيقية لطلبهم المعجزات وحَلفهم الأيمان المغلظة عليها.
وجهلهم هنا هو عدم العلم بتلك الحقائق والدوافع، هذا الجهل الذي قادهم إلى الغفلة والسذاجة، بحيث استخفّ بهم أسيادهم، وجنّدوهم لما يريدون.
فالجهل هنا لا يخرج عما قرّرناه من قبل، في المرات الأربع في فعل: {تَجْهَلُونَ} .