{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
إن مهمة الشورى هي تقليب أوجه الرأي، واختيار اتجاه من الاتجاهات المعروضة، فإذا انتهى الأمر إلى هذا الحد، انتهى دور الشورى وجاء دور التنفيذ، التنفيذ في عزم وحسم، وفي توكل على الله، يصل الأمر بقدر الله، ويدعه لمشيئته تصوغ العواقب كما تشاء.
وكما ألقى النبي - صلى الله عليه وسلم - درسه النبوي الرباني وهو يعلم الأمة الشورى، ويعلمها إبداء الرأي، واحتمال تبعته بتنفيذه، في أخطر الشؤون وأكبرها، كذلك ألقى عليها درسه الثاني في إمضاء بعض الشورى، وفي التوكل على الله، وإسلام النفس لقدره - على علم بمجراه واتجاهه، فأمضى الأمر في الخروج، ودخل بيته، ولبس درعه ولأْمته - وهو يعلم إلى أين هو ماضٍ، وما الذي ينتظره وينتظر الصحابة معه من آلام وتضحيات.
إنه أراد أن يعلّمهم الدرس كله، درس الشورى، ثم العزم والمضي، مع التوكل على الله والاستسلام لقدره، وأن يعلمهم أن للشورى وقتها، ولا مجال للتردد والتأرجح ومعاودة تقليب الرأي من جديد، فهذا مآله الشلل والسلبية والتأرجح الذي لا ينتهي ..
إنما هو: رأي وشورى، وعزم ومضاء، وتوكل على الله، يحبه الله .. (1)
نقف الآن وقفة تدبرية تحليلية، مع قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
و نستخلص من هذه الآية أهم لطائفها ودلالاتها، مما يتصل بالشورى، والصلة بين الراعي والرعية، وأخلاقه الضرورية لقيادة الرعية.
1 -الآية خطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمر له بمشاورة المسلمين في أمورهم، وأمر له بالعفو عنهم والاستغفار لهم، وتوجيه له إلى العزم بعد الشوري متوكلًا على الله، وتين أن
(1) في ظلال القرآن (1/ 501 - 503) باختصار