الأزقة .. وتحمّست مجموعة فرأت الخروج للقاء المشركين، وكان من نتائج هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف.
ولم يكن رسول الله - صلى الله غليه وسلم - يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج، فلقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة .. وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة الشورى، ولكنه أمضاها، وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات، لأن إقرار المبدأ، وتعليم الجماعة، وتربية الأمة، أكبر من الخسائر الوقتية.
ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف، وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة، ويربّيها، ويعدّها لقادة البشرية، وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم إعدادها للقيادة الراشدة أن تربى بالشورى، وأن تُدرّب على حمل التبعة، وأن تخطئ - مهما يكن الخطأ جسيمًا ذا نتائج مريرة - لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها، فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ!.
ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى، ويمنع تدريب الأمة عليها تدريبًا عمليًا واقعيًا في أخطر الشؤون، لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي، ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون، لكان وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي من الله سبحانه وتعالى، كافيًا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى .. ولكن وجود محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومعه الوحي الإلهي، ووقوع تلك الأحداث، ووجود تلك الملابسات، لم يُلغ هذا الحق.
ومن هنا جاء هذا الأمر الإلهي، في هذا الوقت بالذات: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ليقرر المبدأ في مواجهة أخطر الأخطر التي صاحبت استعماله، وليثبّت هذا القرار في حياة الأمة المسلمة، أيًا كانت الأخطر التي تقع في أثناء التطبيق، وليسقط الحجة الواهية التي تثار، لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة، كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان هو انقسام الصف، كما حدث في (( أحد ) )والعدو على الأبواب .. لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ، ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق ..