ثم تدارك الله الصحابة بفضله ورحمته، فأنزل عليهم بعد الغمّ الأمان، في جولة تالية من جولات المعركة، فغشّاهم النعاس أمنة وهدوءًا وطمأنينة، وأزال ذلك النعاس التوتر والقلق الذي أصابهم من قبل.
وقد أخبرت الآية عن هذه الطائفة المؤمنة المباركة بقولها: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ}
أما الطائفة الأخرى التي أخبرت عنها الآية فهي طائفة المنافقين، وهم مسلمون في الظاهر، لكنهم كفار في الحقيقة، وكان لهم دور تخريبي خطير قبل غزوة أحد وأثناءها وبعدها.
وإذا كانت الصحابة في سكينة وأمانة وطمأنينة، فإن المنافقين: {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} ، لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يحسبون حسابا إلا لأعمارهم وأرزاقهم وأحوالهم وأولادهم، ولا يهمّهم أمر الأمة، ولا يحملون همّها.
وبما أنهم قد أهمتهم أنفسهم، فقد زالت عنهم السكينة والأمنة والطمأنينة، وحلّ محلّها القلق والتوتر، والهواجس والتخيّلات، والظنون والوساوس، وهذه ضريبة باهظة يدفعها الذين يتركون التفكير في أمتهم وإخوانهم، ويدورون في فلك أنانيتهم وذاتهم ومصلحتهم، وعلى الآخرين السلام، فهم قلقون متوترون معقّدون منفعلون، مشغلون في تخيلاتهم وهواجسهم وظنونهم.
وقد أخبرت الآية عن بعض ظنون هؤلاء المنافقون الأنانيين: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} إنهم يدّعون في الظاهر أنهم مؤمنون بالله، راضون بقضائه، لكنهم في الحقيقة يظنون به غير الحق، أي يظنون به الباطل، لا يرضون بقدره ولا يستسلمون له، ولا يصبرون على ابتلائه، ويُعلنون للمسلمين - من باب الشبهات - أن الله قد تخلى عن رسوله وجنوده، وأنهم ضائعون فاشلون خاسرون، وأن الله ليس معهم، فلماذا يُتعبون أنفسهم في القتال؟ ولو قعدوا في بيوتكم لحافظوا على أرواحهم وأموالهم.