فلما سمعوا آيات القرآن تُتْلَى عليهم، قالوا: آمنا بهذا القرآن، واعترفنا أنه كلام الله، وأنه الحق من الله، ولقد كنا مسلمين من قبل إنزال آيات القرآن، لأننا على الحق من ديننا، الحق الذي لم يُحَرِّفه أحبارنا ورهباننا، فلما سمعنا آيات القرآن، آمنا بها، واتبعنا محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك جمعنا ما بين إيماننا بكتبنا الربانية التي لم تُحَرّف، وبكتاب الله القرآن.
مسلمة أهل الكتاب هؤلاء جمعوا إيمانا إلى إيمان، وذلك أخبر الله أنه سيؤتيهم أجرهم مرتين: مرة لاتباعهم الحق من كتبهم السابقة، ومرة ثانية لاتباعهم الحق الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -.
هؤلاء المسلمون من أهل الكتاب اتصفوا بالصفات والأخلاق الإسلامية العالية، التي اتصف بها باقي الصحابة، مثل الصبر، وعمل الحسنة بعد السيئة لتُغَطِّيها وتُزيلها، وإنفاقهم في سبيل الله.
ولكن الأغلبية الكافرة من قومهم أصروا على كفرهم، والاستمرار على يهوديتهم أو نصرانيتهم، ثم قام أولئك الكفار بإيذاء المسلمين من أهل الكتاب وذمّهم، وسبّهم وشتمهم، والجهل والسفه عليهم.
فما موقف هؤلاء المسلمين من جهل وخفة وسفة قومهم؟
الجواب في قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] .
إنهم قد يسمعون اللغو من قومهم المتعصبين، وهذا اللغو يتمثل في الشتم والسبّ والأذى، الذي يوجّهونه لمسلمي قومهم، كما يتمثل في السفه والخفة والطيش والاعتداء الذي يعاملونهم به، وهذا اللغو المؤذي هو الجهل الذي اتصفوا به.
يرد المسلمون العقلاء الحلماء على لغو وجهل أقوامهم بالإعراض عنهم، وعدم الاتصال بهم، أو الجلوس معهم أثناء ذلك، ويصارحونهم بقولهم لهم: لنا أعمالنا الصحيحة نبتغي أجرها عند الله، وأنتم لكم أعمالكم، تحاسبون عليها عند الله، ولا لقاء بيننا وبينكم، ولهذا نقول لكم: سلام عليكم، وهو سلام مفاصلة ومتاركة، وليس سلام الوداع والمحبة.