وإذا كان عباد الرحمن بهذه الصفات الإيجابية، التي يتعاملون بها مع الآخرين، فإن الآخرين على النقيض من ذلك.
إن الطرف الآخر ليسوا حلماء ولا واسعي الصدر، وإنما جاهلون سفهاء، كما وصفهم الله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} .
هم جاهلون في مخاطبتهم لعباد الرحمن، وفي كلامهم معهم. أي: أنهم يخاطبونهم بخفة وسفه وطيش، وباعتداء وغضب وإيذاء، فهم يشتمونهم، ويسبّونهم، ويصرخون فيهم.
ولهذا سمّاهم الله جاهلين، ووصفهم بالجهل، والمراد بالجهل هنا هو الجهل المقابل للحلم والاتزان والوقار، إنه جهل الخفة والسفاهة والطيش والرعونة، الجهل الذي ينتج عن سوء الخلق، وسوء الأدب، وسوء التعبير، وسوء التعامل.
وعباد الرحمن لا ينزلون إلى مستوى هؤلاء الجاهلين الهابط، ولا يعاملونهم بالمثل، وإنما يكتمون غيظهم، ويستعلون على الجهل والإساءة. ويترفّعون عن السفه والخفة، ويتسامون إلى قمم الأخلاق الفاضلة.
بهذه الإيجابيات الفاضلة يتركون الجاهلين مع جهلهم، ويغادرون الميدان، محتفظين بحلمهم واتزانهم ووقارهم، ولا يزيدون على أن يقولوا للجاهلين: سلاما.
أي: سلام عليكم، نترككم مع جهلكم، ونغادركم بسلام، ونحرص على أن يسلم لنا حلمنا ووقارنا وخلقنا.
ونرى في هذه الآية طرفين: طرف عباد الرحمن المتصفين بالحلم والوقار والاتزان، وطرف المعتدين المتصفين بالجهل والخفة والطيش والعدوان.
أين هذا الموقف الإيماني العظيم في الترفع عن جهل الجاهلين، من قول ذلك الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في معلقته:
ألا لا يجهلن أحد علينا ÷ فنجهل فوق جهل الجاهلينا