وليس المراد بالإنسان في قوله: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} إنسان خاص بعينه، لأن {الْإِنْسَانُ} هنا اسم جنس، ينطبق على كل بني الإنسان، في أي زمان ومكان.
فالإنسان الذي منحه الله العقل والإرادة والاختيار هو المقصود في الآية، ولا يستثنى من ذلك ألا الأفراد القلائل الذين حرموا نعمة العقل، فكانوا مجانين!.
وقوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} تقرير عن حقيقة نقينية، تنطبق على معظم أفراد هذا الإنسان، حيث سيكون الواحد منهم ظلوما جهولا.
و {ظَلُومٌ} صيغة مبالغة من الظلم. تقول: ظلم، يظلم، ظلما، فهو ظالم، وظلوم.
و {جَهُولٌ} صيغة مبالغة من الجهل. تقول: حهل، يجهل، جهلا، فه جاهل، وجهول.
والإنسان الظلوم الجهول هو الذي حمل الأمانة، واستعد للالتزام بها، لكنه لم يف بعهده، ولم يلتزم بها.
وأساس معنى الظلم هو: (( وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه .. ويقال: الظلم في مجاوزة الحق، وفيما يكثر وفيما يقل من التجاوز، ولهذا يستعمل في الذنب الصغير، وفي الذنب الكبيلر، ولذلك قيل لآدم في تعديه ظالم، وفي إبليس ظالم، وإن كان بين الظلمين بون بعيد .. ) ) (1)
فالإنسان الظلوم هو الذي يظلم نفسه، ويعرضها للمسؤولية والمحاسبة وللجزاء والعقوبة، عند ما لا يؤدي الأمانة التي حملها، ولا يلتزم بالعهد الذي عاهد الله عليه، ولا يقوم بالواجب الذي استعد للقيام به، وتقصيره في هذا ظلم منه، وتجاوز للحق، وانتقال من ما أحله الله له إلى ما حرم الله عليه.
ووصف الإنسان بالظلم بصيغة المبالغة (( ظلوم ) )لكثرة وقوع الظلم والتجاوز منه، وكثرة مخالفاته ومعاصيه، وكثرة مظاهر تقضه العهد وخيانته الأمانة.
(1) انظر مفردات ألفاظ القرآن، ص 537.