إن الجهل أعّم من الظلم، لأنه قد يجهل الجاهل متعمّدًا، وقد يجهل ناسيًا أو ساهيًا، فكل ظلم جهل، لأنه الظلم خفّة وسفاهة، وليس كل ظلمًا، لأنه لايصدر عن قاصدٍ متعمدٍ.
والمراد بالإنسان في الآية: {وَحمَلَهَا الإِنْسَان إنه كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا} الإنسان باعتبار جنسه ونوعه وأصله، ولا يراد به شخص معين.
وكما استثنينا الأنبياء من الظلم، يجب استثناؤهم من الجهل، فالناس الذين يظلمون ويجهلونهم غير الأنبياء، أمّا الأنبياء فقد عصمهم اللّه من المعاصي والذّنوب والأخطاء، ولذلك لايظلمون ولا يجهلون.
وحكمة وصف الإنسان بالجهل بصيغة المبالغة {إِنَّه ُكَانَ ظَلُوْمًا جَهُوْلًا} أن اللّه خلق الإنسان بخصائص خاصة. منها - مما يتعلق بالظلم والجهل - الغفلة والنسيان، والميل إلى الشهوة، وهذه الخصائص توقعه في المخالفة، وبذلك يتصف بالظلم والجهل.
ثم إن اللّه يخلق الإنسان بدون علم، ويخرجه من بطن أمه غير عالم، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:78]
فالإنسان يولد جاهلًا لا يعلم شيئًا، ثم يكسب العلم ويحصِّله بعد ذلك، بما وهبه اللّه من وسائل وقدرات تعينه على العلم.
كذلك الإنسان كثيرًا ما يجهل فينسى، وكثيرًا ما ينسى فيُخطئ، وكثيرًا ما يجهل فيعصى ويذنب، وكثيرًا ما يجهل فيقصِّر ويتكاسل. ولأجل ذلك كان الإنسان جهولًا!.
وجهل هذا الإنسان الناتج عن عدم العلم، أو عدم اليقظة والحلم، يؤدي إلى أن يقصّر هذا الإنسان أداء أمانة التكليف والمسؤولية التي حملها، وينقض هذا الإنسان العهد الذي عاهد اللّه عليه، ويترك واجب الذي أوجبه اللّه عليه، ويرتكب الحرام الذي حرمه عليه.