وقبل هذه الآية قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون
.وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ. وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: 51 - 53]
وفي الآية (54) - التي نننظر فيها - يأمر اللّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبشر الصالحين بالرحمة والتوبة والمغفرة، هؤلاء الصالحون الذين لا وزن ولا قيمة لهم عند المستكبرين الكافرين، لكنهم مكرّمون عند اللّه ربّ العالمين.
يقول اللّه لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم: إذا جاءك هؤلاء المؤمنون الصالحون، الشاكرون، فبشّرهم، وقل لهم: سلام عليكم، كتب ربّكم على نفسه الرحمة.
وأخبِرْهم يا محمد أن من مظاهر رحمة اللّه بهم، توبته عليهم، ومغفرته لذنوبهم، فإذا ما أخطأ أحد هؤلاء المؤمنين، وعمل سوءًا بجهالة، ثمّ تاب من بعد ذلك السوء، وأصلح أعماله، واستقام في حياته، فإن اللّه يغفر له، لأنه غفور رحيم.
وتضمنت الآية ثلاثة مظاهر من مظاهر البشرى التي يقدّمها الرّسول - صلى اللّه عليه وسلم - لهؤلاء المؤمنين:
الأول: تبشيرهم بالسلام والأمان: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} .
الثاني: تبشيرهم بالرحمة من اللّه: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} .
الثالث: تبشيرهم بمغفرة ذنوبهم: {فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
وجملة {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ} على قراءة حفص عن عاصم بفتح همزة {أَنّ} مصدرية، والمصدر المؤول في محل نصب بدل {الرَّحْمَةَ} . والتقدر: كتب ربكم على نفسه الرحمة، المغفرة لمن تاب.
إن الآية حصرت مغفرة اللّه ورحمته بمن عمل السوء بجهالة من المؤمنين، ثم تاب من بعد ذلك وأصلح.