يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 114 - 119] .
السياق الذي وردت فيه"جهالة"في هذه السورة سياق التشريع وأحكام. فاللّه اباح للمسلمين أكل الحلال الطيب من الرزق، وحرّم عليهم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير اللّه، إلا للمضطر، ونهى المسلمين عن الكذب والافتراء على اللّه في التحليل والتحريم، ثم أخبرنا اللّه عن بعض ما حرمه على اليهود، عقوبة لهم بسبب ظلمهم.
وفي هذا السياق التشريع الخبري التحذيري، أخبرنا اللّه أنه غفور رحيم، يغفر للمسلمين الذين يخطئون، فيعملون السوء بجهالة، بشرط أن يتوبوا ويصلحوا حياتهم بعد ذلك السوء.
فما مناسبة الكلام على توبة من يعملون السوء بجهالة مع هذا السياق؟.
إن مما ينتج عن التشريع المشكور في الآيات، ضعفَ بعض المكلفين، ووقوعَهم في الخطأ، وعملَهم السوء والحرام، ولذلك التفتت الآيات إليهم وقدمت لهم البشرى بالمغفرة إن قاموا بالتوبة.
من هم الذين قد يعملون السوء بجهالة؟ إنهم مسلمون مكلفون، حريصون على الالتزام بأحكام اللّه، وكثيرًا ما ينجحون في هذا الالتزام، ويقفون عند حدود الله.
ولكنهم أحيانا يضعُفون، فيضعُف مستوى التزامهم، فيرتكبون المحظور، أو يتخلّون عن الواجب، وبذلك يذنبون ويخطئون، ويعملون السوء والمنكر.
وقد وصفتهم الآية بأنهم {عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} .
و {بِجَهَالَةٍ} في محلّ نصبٍ حَالٌ، فهي لبيان حال هؤلاء المسلمين عند ما يعصون. والمعنى: عملوا السوء متلبسين بجهالة. أي: كانوا جاهلين عند ما عملوا السوء، وجهلهم هذا هو الذي دفعهم إلى المخالفة.