والتأويل علم يفتح الله به على أصحابه، وفهم يؤتيه الله لهم.
وإذا كان التفسير يعتمد على الاطلاع والمعرفة، والقراءة والرواية، فإن التأويل يعتمد على الموهبة والملكة والتدبر، وهذه لا تتيسر لكل مفسر، ويتفاوت أهل التأويل فيها تفاوتا كبيرا.
كل مؤوّل لا بد أن يكون مفسرا ليَصِحّ تأويله، لكن لا يستطيع كل مفسر أن يكون مؤوِّلا، فهذا فضل خاص، يهبه الله لمن يشاء من عباده.
كل مؤوِّل مفسِّر، وليس كل مفسِّر مؤوِّلا!!.
والدليل على أن التأويل علم يهبه الله لمن يشاء من عباده، ويستطيع العالم تعلّمه وإتقانه، ما رواه أحمد في مسنده: عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه عنهما - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في بيت ميمونة، فوضعتُ له وضوءا من الليل، فقالت ميمونة: يا رسول الله، وضع لك هذا عبد الله بن عباس.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( اللهم فقِّهه في الدين، وعلّمه التأويل ) ) (1) .
وقد استجاب الله دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنّ على ابن عباس - رضي الله عنهما - بتعلّم تأويل القرآن، إضافة إلى علمه بتفسيره، وسَبَق الصحابةَ في هذا العلم، حتى سمي (( ترجمان القرآن ) ).
لم يكن كل الصحابة مؤوّلين للقرآن، وإن كانوا جميعا يعلمون تفسيره، وكان ابن عباس من السابقين السابقين، الذين تميزوا بتفسير القرآن وتأويله معا.
روى البخارى في كتاب التفسير من صحيحه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس - رضى الله عنهما -، قال: كان عمر - رضي الله عنه - يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضَهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ تُدخل هذا معنا، ولنا أبناءٌ مثله؟.
فقال عمر: إنه من قد عَلِمْتم.
فدعا ذات يوم، فأدخله معهم.
(1) مسند أحمد بتحقيق شعيب الأرنؤوط وفريقه (5/ 159) ، حديث رقم 3032.