دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تَصابي المرءِ والشيبُ شاملُ؟
ومنه البيت المشهور المحفوظ لعمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ÷ فنجهل فوق جهل الجاهلينا
واستعمال الجهل بالمعنى الثالث: (( ورد كثيرًا، وهذه الكثرة تتناسب مع الأحداث، التي كانت تجري بينهم، من غزوٍ وثأر وسبي وقتل، وعداء مستمر بين القبائل، وحروب طاحنة دائمة، والشعر الجاهلي الذي يُعَدّ ديوان العرب حافل بهذا الأخبار .. ) ) (1)
وعند ما انتقل أبو عودة إلى القرآن، والحديث عن الجهل والجاهلية في آيته، وجد أن القرآن قد تفرد باستعمال الجاهلية. قال: (( ولم أجد في الشعر الجاهلي هذه الصيغة، إنما هي صيغة أوجدها القرآن، وانتشرت فيما بعد لتكون علمًا على الفترة التي سبقت نزول القرآن.
قال السيوطي في المزهر: قال ابن خالوية: إن لفظ الجاهلية اسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة. والمنافق اسم إسلامي لم يعرف في الجاهلية ... )) (2)
وإذا كان مصطلح الجاهلية غير وارد في الشعر الجاهلي، وإنما هو مصطلح قرآني إسلامي، فإنه لم يرد في القرآن، بمعنى عدم العلم، وإنما بمعنى السفه والطيش.
قال الدكتور أحمد أمين: (( والجاهلية ليست من الجهل الذي هو ضد العلم، ولكن من الجهل الذي هو السفه والغضب والأنفة. جاء في حديث الإفك: (( ولكن اجتهلتْه الحمية ) ). أي: حملته الأنفة والغضب على الجهل. وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذرّ - وقد عيّر رجلا بأمه - (( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ). أي فيك روح الجاهلية. فترى من هذا كلّه أن الجاهلية تدل على الخفة والأنفة والحمية والمفاخرة، وهي أمور أوضح ما كانت في حياة العرب قبل الإسلام في العصر الجاهلي ... )) (3)
(1) التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن. للدكتور عودة أبو عودة: 136 - 138
(2) المرجع السابق: 139
(3) فجر الإسلام لأحمد أمين: 70. والتطور الدلالي: 150.