وليدها على حضنها ليكلمهم نيابةً عنها، ويخبرهم حقيقة ما حدث، ويبرئ أمه، واستغربوا: هل يتكلم وليد مضى على ولادته عدة ساعات؟ وكانت المفاجأة الكبيرة المدهشة عند ما سمعوا الوليد يتكلم فعلًا، ويقدم نفسه إليهم، ويخبرهم بحقيقة ما جرى.
الشاهد في الآيات قوله: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} . وكانت إشارتها إلى وليدها جوابًا على سؤال قومها: {يآمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فرياًّ يآأُخْتَ هَارُونَ مَاكَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سُوْءٍ وَمَا كاَنَتْ أُمْكِ بَغِيًّا}
والإشارة قريبة من الشورى، ومادتها - الجذر الثلاثي - واحدة، وهي «شور» . والإشارة قد تكون إشارة حسية، باليد أو العين أو غير ذلك، وهذا هو الأصل فيها، وتكون هذه الحركة الحسية تعبيرًا عن معنى يريده صاحب الإشارة، كالدعوة إلى الخروج أو الدخول أو السكوت أو الكلام.
وقد تكون الإشارة معنوية، بأن يشير الرجل على آخر بأن يفعل كذا، وهنا تحمل معنى النصيحة والاقتراح وتقديم الرأي، وهذه هي الشورى.
فالإشارة الحسية إشارة كإشارة مريم - رضي الله عنها - إلى ابنها.
والإشارة المعنوية شورى، حيث يشير الرجل على الآخر بكذا.
وقد بين الإمام الكفوى الضابط في التفرق بين الإشارة الحسية والشورى المعنوية.
قال: «الإشارة: التلويح بشيء يفهم منه النطق في فهم المعنى
والإشارة إذا استعملت بحرف «على» يكون المراد الإشارة بالرأي، وإذا استعملت بحرف «إلى» يكون المراد الإيماء باليد.
والإشارة عبارة عن أن يشير المتكلم إلى معانٍ كثيرة بكلام قليل، يشبه الإشارة باليد، فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء لو عبر عنها لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة .. » (1) .
(1) الكليات لأبي البقاء العكبري، ص 120.